ابن كثير
261
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 45 إلى 48 ] قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى ( 45 ) قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى ( 46 ) فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى ( 47 ) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ( 48 ) يقول تعالى إخبارا عن موسى وهارون عليهما السلام ، أنهما قالا مستجيرين باللّه تعالى شاكيين إليه : إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى يعنيان أن يبدر إليهما بعقوبة أو يعتدي عليهما ، فيعاقبهما وهما لا يستحقان منه ذلك . قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : أن يفرط يعجل . وقال مجاهد : يبسط علينا . وقال الضحاك عن ابن عباس أو أن يطغى : يعتدي قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى أي لا تخافا منه ، فإنني معكما أسمع كلامكما وكلامه ، وأرى مكانكما ومكانه ، لا يخفى عليّ من أمركم شيء ، واعلما أن ناصيته بيدي ، فلا يتكلم ولا يتنفس ولا يبطش إلا بإذني وبعد أمري ، وأنا معكما بحفظي ونصري وتأييدي . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا علي بن محمد الطنافسي ، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمرو بن مرة ، عن أبي عبيدة عن عبد اللّه قال : لما بعث اللّه عز وجل موسى إلى فرعون قال : رب أي شيء أقول ؟ قال : قل هيا شراهيا . قال الأعمش : فسر ذلك : أنا الحي قبل كل شيء والحي بعد كل شيء « 1 » ، إسناده جيد ، وشيء غريب فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ قد تقدم في حديث الفتون عن ابن عباس أنه قال : مكثا على بابه حينا لا يؤذن لهما حتى أذن لهما بعد حجاب شديد . وذكر محمد بن إسحاق بن يسار أن موسى وأخاه هارون خرجا فوقفا بباب فرعون يلتمسان الإذن عليه ، وهما يقولان : إنا رسولا رب العالمين فآذنوا بنا هذا الرجل ، فمكثا فيما بلغني سنتين يغدوان ويروحان لا يعلم بهما ولا يجترئ أحد على أن يخبره بشأنهما حتى دخل عليه بطال له يلاعبه ويضحكه ، فقال له : أيها الملك إن على بابك رجلا يقول قولا عجيبا يزعم أن له إلها غيرك أرسله إليك . قال ببابي ؟ قال : نعم ، قال : أدخلوه ، فدخل ومعه أخوه هارون وفي يده عصاه ، فلما وقف على فرعون قال : إني رسول رب العالمين ، فعرفه فرعون . وذكر السدي أنه لما قدم بلاد مصر ضاف أمه وأخاه ، وهما لا يعرفانه ، وكان طعامهما ليلتئذ الطعثلل وهو اللفت ، ثم عرفاه وسلما عليه ، فقال له موسى : يا هارون إن ربي قد أمرني أن آتي هذا الرجل فرعون فأدعوه إلى اللّه وأمرك أن تعاونني . قال : افعل ما أمرك ربك ، فذهبا وكان ذلك ليلا ، فضرب موسى باب القصر بعصاه فسمع فرعون ، فغضب وقال : من يجترئ على هذا الصنيع الشديد ، فأخبره السدنة والبوابون بأن هاهنا رجلا مجنونا يقول إنه رسول اللّه ، فقال علي به ، فلما وقفا بين يديه قالا وقال لهما ما ذكر اللّه في كتابه .
--> ( 1 ) انظر الدر المنثور 4 / 537 .